آخـــر الـــمـــشـــاركــــات

+ الرد على الموضوع
النتائج 1 إلى 8 من 8

الموضوع: نظرية النظم عند عبد القاهر الجرجاني

  1. #1

    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    قطر
    المشاركات
    1,392
    معدل تقييم المستوى
    7

    افتراضي نظرية النظم عند عبد القاهر الجرجاني

    نظرية النظم عند عبد القاهر الجرجاني
    تعتبرُ نظريةُ عبدُ القاهرِ في النظمِ من أهمِ النظرياتِ البلاغيةِ و النقديةِ حتى عصرُنا الحاضر.
    تحديد عبد القاهر للنظم وبيان مراده منه:
    النظم لغة : التأليف . نظمه ينظمه نظمـًا, ونظمه فانتظم وتنظم , ونظم اللؤلؤ أي جمعه في السلك . ومنه نظمت الشعر , ونظم الأمر على المثل, وكل ضممت بعضه إلى بعض فقد نظمته.
    وفي الاصطلاح :" تأليف الكلمات و الجمل مترتبة المعاني متناسبة الدلالات على حسب ما يقتضيه العقل ".
    لقد كان مصطلح النظم شائعـًا عند الأشاعرة الذين ينتمي إليهم عبد القاهر الجرجاني , و يجعلونه مناط إعجاز القرآن . وكان الجاحظ أول من استخدم هذا الاصطلح وعلل به الإعجاز القرآني . أما الجبائي المعتزلي فقد وضع مكانه الفصاحة , وردها إلى حسن اللفظ و المعنى . وقد نفى القاضي عبد الجبار أن يكون مرجع الفصاحة إلى اللفظ أو المعنى أو الصورة البيانية , بل ردها إلى الصياغة النحوية و الأسلوب. ثم ظهر عبد القاهر مستفيدا مما ذكره سابقيه فظهرت النظرية عنده ناضجة متكاملة , وقد كان النظم عنده مناط الإعجاز القرآني كما ذكرنا آنفـًا.
    يقول عبد القاهر في مقدمة كتابه دلائل الإعجاز:
    إنِّي أقولُ مَقالاً لستُ أُخفـيه *** ولستُ أرهَبُ خصْمـًا إنْ بَدا فيهِ
    ما مِنْ سبيلٍ إلى إثباتِ معجزةٍ ** في النَّظْـمِ إلا بما أصبحْتُ أبديهِ
    فما لنَظْمِ كـلامٍ أنتَ ناظمـهُ *** مَعْنـًى سوى حُكْمِ إعرابٍ تُزجِّيهِ


    إلى أن يقول :

    وقد عَلِمْنا بأنَّ النَّظْمَ ليسَ سِوى ** حُكمٍ منَ النَّحْـو نَمضي في تَوَخِّيهِ
    لو نقَّبَ الأرضَ باغٍ غيرَ ذاكَ له *** مَعنًى , وصعَّـدَ يعلـو في تَرقِّيـهِ
    ما عادَ إلا بخُسْـرٍ في تَطَلُّبـهِ *** لا رَأى غيـرَ غِـيٍّ في تبغِّيـهِ


    فالنظم كما عرفه : ليس " إلا أن تضع كلامك الوضع الذي يقتضيه علم النحو , وتعمل على قوانينه و أصوله , وتعرف مناهجه التي نهجت , فلا تزيغ عنها , وتحفظ الرسوم التي رسمت لك , فلا تبخل بشيء منها . وذلك أنّا لا نعلم شيئـًا يبتغيه الناظم بنظمه غير أن ينظر في وجوه كل بابٍ و فروقه".

  2. #2

    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    قطر
    المشاركات
    1,392
    معدل تقييم المستوى
    7

    افتراضي رد: نظرية النظم عند عبد القاهر الجرجاني

    موقف الجرجاني من قضية اللفظ و المعنى و رده على أنصارهما :


    لقد شُغل النقاد بقضية اللفظ و المعنى , فتناولولها بالدراسة , و ذهبوا فيها مذاهبـًا مختلفة , منهم من أعلى من شأن اللفظ و أهمل المعنى , و منهم أعلى شأن المعنى و أهمل اللفظ , ومنهم من ذهب مذهب المتوسط بينهما .

    وصلت قضية اللفظ و المعنى إلى عبد القاهر بصورة لم ترضيه . فأخذ على عاتقه تصحيح مفاهيمهم المضطربة , و يقول عن نفسه : " قد بلغنا في مداواة الناس من دائهم , وعلاج الفساد الذي عرض في آرائهم كل مبلغ , وانتهينا إلى كل غاية , وأخذنا بهم عن المجاهل التي كانوا يتعسَّفون فيها إلى السَّـنَن اللاحب , ونقلناهم عن الآجن المطروق إلى النمير الذي يشفي غليل الشارب . ولم ندع لباطلهم عرقا ينبض إلا كويناه , و لا للخلاف لسانـًا ينطق إلا أخرسناه . ولم نترك غطاءً كان على بصر ذي عقل إلا حسرناه " .

    1- مكانة اللفظ عند عبد القاهر :

    انزعج عبد القاهـر من تقديـر مَن سبقـهُ للألفـاظ , و تقديمهم لها على المعـاني , وجعلهـم للألفـاظ صفات و مميـزات لم يتقبلـها ذهنـه . فرأى أن الانحيـاز للفظ قتـلٌ للفِّكـر فـقرر أن "الألفـاظ لا تتفاضـل من حيث هي ألفـاظ مجردة ولا من حيث هي كلـم مفردة . وأن الألفاظ تثبت لها الفضيلة وخلافـها في ملائمـة معنى اللفظـة لمعـنى التي تليـها , أو ما أشبه ذلك مما لا تعلق له بصريح اللفظ . ومما يشهـد لذلك أنك ترى كلمة تروقـك وتؤنسك في موضع , ثم تراها بعينها تثقل عليك وتوحشك في موضع آخر" .

    كما أنه جعل " الألفـاظ خدم المعاني والمتصرفـة في حكمها، و المعاني هي المالكة سياستها، المستحقـة طاعتها، فمن نصر اللفظ على المعنى كان كمن أزال الشيء عن جهته، وأحاله عن طبيعته، وذلك مظنة الاستكراه، وفيه فتح أبواب العيب، والتـعرض للشين، ولهذه الحالة كان كلام المتقدمين " .

    و يؤكـد هذه الفكـرة مرة أخرى في كتابـه الآخـر فيقول :"و أنك إذا فرغتَ من ترتيبِ المعـاني في نفسِـك لم تحتـجْ إلى أن تستأنفَ فكرًا في ترتيب الألفاظ بل تجدُها تترتبُ لكَ بحُكْـمِ أنها خَـدَمٌ للمعاني , و تابعةٌ لها , ولاحقةٌ بها ".

    إذًا يستحسن عبد القاهر اللفظ بشرط أن يستحق المزية والشرف , وذلك ضمن شروط في داخل التعبير ، و أهمها حسن تلاؤم معنى اللفظة مع معنى الألفاظ المجاورة لها ، و مراعاة ترتيب المعاني في النفس ثم اختيار الألفاظ الدالة عليها . يقول عبد القاهر:" فلو كانت الكلمة إذا حسنت , حسنت من حيث هي لفظ وإذا استحقت المزية والشرف واستحقت ذلك في ذاتها وعلى انفرادها دون أن يكون السبب في ذلك حال لها مع أخواتها المجاورة لها في النظم لما اختلف بها الحال ولكانت إما أن تحسن أبدا أو لا تحسن أبدا".

    كما أنه لاحظ أن اللغة تقوم على العلاقة بين الألفاظ وليس على الألفاظ المجردة فقال: اعلم " أن الألفاظ المفردة التي هي أوضاع اللغة لم توضع لتعرف معانيها في أنفسها ولكن لأن يُضَمّ بعضُها إلى بعض فيعرف فيما بينها فوائد " .

    فليس المهم في اللغة الألفاظ مجردةً بل المهم هو الصلة بين هذه الألفاظ والتي تقوم عليها.

    2 - مكانة المعنى عند عبد القاهر :

    قد يُشْعر من حديثنا عن مكانة اللفظ عند عبد القاهر أنه انتصر للمعاني و أهمل الألفاظ وهذا ليس صحيحـًا لأننا نجده يقول : "اعلم أن الداء الدوي والذي أعيا أمره في هذا الباب غلط من قَدَّمَ الشعرَ بمعناه وأقلَّ الاحتفال باللفظِ , وجعلَ لا يعطيه من المزية إن هو أعطى إلا ما فَضَلَ عن المعنى . يقول ما في اللفظ لولا المعنى وهل الكلام إلا بمعناه فأنت تراه لا يقدم شعرًا حتى يكون قد أُودِع حكمةً أو أدبـًا واشتمل على تشبيه غريب ومعنى نادراً. إذًا فهو ينكر أن يكون للمعنى فضل على اللفظ حتى و إن كان هذا المعنى متضمنـًا لحكمة أو أدب أو معنى نادر أو تشبية غريب فلا مزية للمعنى دون الصياغة .

    ويقرر أنه "لا يكون لإحدى العبارتين مزية على الأخرى حتى يكون لها في المعنى تأثير لا يكون لصاحبتها" و"سبيل هذه المعاني سبيل الأصباغ التي تعمل منها الصور والنقوش . فكما أنك ترى الرجل قد تهدى في الأصباغ التي عمل منها الصورة والنقش في ثوبه الذي نسج إلى ضرب من التخير والتدبر في أنفس الأصباغ وفي مواقعها ومقاديرها وكيفية مزجه لها وترتيبه إياها إلى ما لم يتهد إليه صاحبه فجاء نقشه من أجل ذلك أعجب وصورته أغرب كذلك حال الشاعر والشاعر في توخيهما معاني النحو ووجوهه" .

    فالمعنى عنده "كل ما تولد من ارتباط الكلام بعضه ببعض , فهو الفكر و الإحساس و الصورة والصوت , وهو كل ما ينشأ عن النظم و الصياغة من خصائص و مزايا" .


    3 - الجمع بين اللفظ والمعنى:

    رأينا فيما سبق أن عبد القاهر أنكر أن يكون الجمال في اللفظ فقط أو في المعنى فقط. و قرر أن الجمال كامنٌ في نظمِ الكلام الذي يجمع بينها . وقد استطاع أن يثبت الوحدة بين اللفظ والمعنى مستخدمـًا أساليبه الجدلية , فأبان كثيرًا مما غمض على النقاد من معاني النقد الأدبي .

    و وضع نظرية تجمع بين اللفظ والمعنى حين قال : لو أن" المعاني تكون تبعـًا للألفاظ في ترتيبها، لكان محالاً أن تتغير المعاني ، و الألفاظ بحالها لم تزل على ترتيبها ، فلما رأينا المعاني قد جاز فيها التغير من غير أن تتغير الألفاظ و تزول عن أماكنهـا ، علمنا أن الألفاظ هي التابعة و المعاني هي المتبوعة " .

    وأنكر أن " تتفاضل الكلمتان المفردتان من غير أن ينظر إلى مكان تقعان فيه من التأليف والنظم , بأكثر من أن تكون هذه مألوفة مستعملة وتلك غريبة وحشية أو أن تكون حروف هذه أخف وامتزاجها أحسن و مما يكد اللسان أبعد وهل تجد أحدا يقول : هذه اللفظة فصيحة إلا وهو يعتبر مكانها من النظم وحسن ملائمة معناها لمعنى جاراتها وفضل مؤانستها لأخواتها" .

    فلم يكن اللفظ عنده محدودا في قيمته الصوتية , ولا المعنى مقتصرا على الفكرة و المضامين الأخلاقية و الفلسفية , فاللفظ عنده بكل إمكاناته صوتية وغير الصوتية في خدمة المعنى , والمعنى هو كل ما ينتج عن السياق من فكر و إحساس وصورة وصوت .

  3. #3

    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    قطر
    المشاركات
    1,392
    معدل تقييم المستوى
    7

    افتراضي رد: نظرية النظم عند عبد القاهر الجرجاني

    ردود الجرجاني على من انتصر للفظ أو المعنى :


    أخذ عبد القاهر على عاتقه الرد بالحجج والبراهين على من فصل اللفظ عن المعنى . فأثبت لمن نصر اللفظ وقدمه على المعنى بأن" الألفاظ لا تتفاضل من حيث هي ألفاظ مجردة ولا من حيث هي كلم مفردة . وأن الألفاظ تثبت لها الفضيلة وخلافها في ملائمة معنى اللفظة لمعنى التي تليها أو ما أشبه ذلك مما لا تعلق له بصريح اللفظ . ومما يشهد لذلك أنك ترى الكلمة تروقك وتؤنسك في موضع ثم تراها بعينها تثقل عليك وتوحشك في موضع آخر كلفظ الأخدع في بيت الحماسة [ من الطويل ] :
    تلفتُّ نحو الحيِّ حتى وجدتني وجعتُ من الإصغاء ليتا وأخدعا
    وبيت البحتري [ الطويل ] :
    وإني وإن بلغتني شرف الغنى وأعتقت من رق المطامع أخدعـي
    فإن لها في هذين المكانين ما لا يخفى من الحسن . ثم إنك تتأملها في بيت أبي تمام [ من المنسرح ]:
    يا دهر قوم من أخدعيك فقد أضججت هذا الأنام من خرقك
    فتجد لها من الثقل على النفس ومن التنغيص والتكدير أضعاف ما وجدت هناك من الروح والخفة والإيناس والبهجة".

    ويرد على الجاحظ الذي جعل الكلام في طبقات , و على كل من زعم أن الفصاحة تكون في التلاؤم اللفظي فيقول : "أنا إنْ قصرنا صفة الفصاحة على كون اللفظ كذلك وجعلناه المراد بها لزمنا أن نخرج الفصاحة من حيز البلاغة ومن أن تكون نظيرة لها ." فـ"هل تجد أحدًا يقول :هذه اللفظة فصيحة إلا وهو يعتبر مكانها من النظم وحسن ملائمة معناها لمعنى جاراتها وفضل مؤانستها لأخواتها وهل قالوا : لفظة متمكنة ومقبولة وفي خلافه : قلقة ونابية ومستكرهة إلا وغرضهم أن يعبروا بالتمكن عن حسن الاتفاق بين هذه وتلك من جهة معناهما وبالقلق والنبو عن سوء التلاؤم . وأن الأولى لم تلق بالثانية في معناها وأن السابقة لم تصلح أن تكون لفقا للتالية في مؤداها".

    فالحاصل هو " أن الفصاحة والبلاغة وسائر ما يجري في طريقهما أوصاف راجعة إلى المعاني وإلى ما يدل عليه بالألفاظ دون الألفاظ أنفسها لأنه إذا لم يكن في القسمة إلا المعاني والألفاظ وكان لا يعقل تعارض في الألفاظ المجردة إلا ما ذكرت لم يبق إلا أن تكون المعارضة معارضة من جهة ترجع إلى معاني الكلام المعقولة دون ألفاظه المسموعة ولا يغرنك قول الناس : قد أتى بالمعنى بعينه وأخذ معنى كلامه فأداه على وجهه فإنه تسامح منهم . والمراد أنه أدى الغرض" .

    ويذكر عبد القاهر خطأ الناس في فهم كلام المتقدمين , ذلك أنهم حين رأوا القدمى يفردون اللفظ عن المعنى , " ورأوهم قد قسموا الشعرفقالوا : إن منه ما حسن لفظه ومعناه ومنه ما حسن لفظه دون معناه ومنه ما حسن معناه دون لفظه .

    ورأوهم يصفون اللفظ بأوصاف لا يصفون بها المعنى , ظنوا أن للفظ من حيث هو لفظ حُسنـًا ومزية ونبلاً وشرفـًا وأن الأوصاف التي نحلوه إياها هي أوصافه على الصحة . وذهبوا عما قدمنا شرحه من أن لهم في ذلك رأيا وتدبيرا وهو أن يفصلوا بين المعنى الذي هو الغرض وبين الصورة التي يخرج فيها فنسبوا ما كان من الحسن والمزية في صورة المعنى إلى اللفظ".

    ورد شبهتهم في أن المعاني لا تتزايد وأن الذي يتزايد هو الألفاظ فيقول :" وهذا كلام إذا تأملته لم تجد له معنى يصح عليه غير أن تجعل تزايد الألفاظ عبارة عن المزايا التي تحدث من توخي معاني النحو وأحكامه فيما بين الكلم لأن التزايد في الألفاظ من حيث هي ألفاظ ونطق لسان محال "
    ورد شبهة من نصر المعنى و أهمل اللفظ فيقول : "اعلم أن الداء الدوي والذي أعيا أمره في هذا الباب غلط من قَدَّمَ الشعرَ بمعناه وأقلَّ الاحتفال باللفظِ , وجعلَ لا يعطيه من المزية إن هو أعطى إلا ما فَضَلَ عن المعنى . يقول ما في اللفظ لولا المعنى وهل الكلام إلا بمعناه فأنت تراه لا يقدم شعرًا حتى يكون قد أُودِع حكمةً أو أدبـًا واشتمل على تشبيه غريب ومعنى نادر" ولست بناظرٍ " في كتابٍ صُنّف في شأن البلاغة وكلام جاء عن القدماء إلا وجدته يدل على فساد هذا المذهب . ورأيتهم يتشددون في إنكاره وعيبه والعيب به . وإذا نظرت في كتب الجاحظ وجدته يبلغ في ذلك كل مبلغ ويتشدد غاية التشدد".

  4. #4

    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    قطر
    المشاركات
    1,392
    معدل تقييم المستوى
    7

    افتراضي رد: نظرية النظم عند عبد القاهر الجرجاني

    صور من تحليلات عبد القاهر الجرجاني على ضوء نظرية النظم :

    لقد كان عبد القاهر في حديثه يستشهد بالآي القرآني و بالشعر ليثبت أفكاره و آرائه . ثم يقوم بتحلل الشواهد وفق نظرياته التي يريد أن يثبتها للقارئ . و في معرض حديثنا اذكر تحليلات عبد القاهر لنصين أحدهما من القرآن و الآخر من الشعر على ضوء نظريته في النظم .

    الصورة الأولى :

    في قوله تعالى : ( وقيل يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء أقلعي وغيض الماء وقضي الأمر واستوت على الجودي وقيل بعدا للقوم الظالمين )

    يقول عبد القاهر : "فتجلى لك منها الإعجاز وبهرك الذي ترى وتسمع ! أنك لم تجد ما وجدت من المزية الظاهرة والفضيلة القاهرة إلا لأمر يرجع إلى ارتباط هذه الكلم بعضها ببعض وأن لم يعرض لها الحسن والشرف إلا من حيث لاقت الأولى بالثانية والثالثة بالرابعة وهكذا, إلى أن تستقرِيَها إلى آخرها وأن الفضل تَنَاتَجَ ما بينها وحصل من مجموعها".فيؤكد لنا أن فصاحة اللفظة لا تظهر إلا باعتبار مكانها من النظم و حسن ملائمة اللفظة لجارتها . "ثم يضع لنا ميزانـًا نقديـًا حكيمـًا لإثبات هذه الدعامة , و أثرها في نظرية النظم , وهو ما يمكن أن العزل النقدي الفني , بحيث تعزل الكلمة عن أخواتها في التركيب فنحس ونشعر بفقدانها لحسنها ورونقها" , يقول :"إن شككتَ فتأمل هل ترى لفظة منها بحيث لو أُخذتْ من بين أخواتها , وأُفردتْ لأدَّتْ من الفصاحة ما تؤديه وهي في مكانها من الآية
    1- قل : " ابلعي " واعتبرها وحدها من غير أن تنظر إلى ما قبلها وإلى ما بعدها وكذلك فاعتبر سائر ما يليها .
    2- ومعلوم أن مبدأ العظمة في أن نوديت الأرض ثم أمرت ثم في أن كان النداء ب " يا " دون " أي " نحو : يا أيتها الأرض .
    3- إضافة الماء إلى الكاف دون أن يقال : ابلعي الماء .
    4- أن أتبع نداء الأرض وأمرها بما هو من شأنها ونداء السماء وأمرها كذلك بما يخصها .
    5- و قيل : وغيض الماء . فجاء الفعل على صيغة " فُعِلَ " الدالة على أنه لم يغض إلا بأمر آمر وقدرة قادر .

    6- تأكيد ذلك وتقريره بقوله تعالى : ( قُضِيَ الأمرُ ) .
    7- ذكر ما هو فائدة هذه الأمور وهو ( استوت على الجودي ) .
    8- إضمار السفينة قبل الذكر كما هو شرط الفخامة والدلالة على عظم الشأن .
    9- مقابلة " قيل " في الخاتمة ب " قيل " في الفاتحة .
    أفترى لشيء من هذه الخصائص التي تملؤك بالإعجاز روعة وتحضرك عند تصورها هيبة تحيط بالنفس من أقطارها تعلقا باللفظ من حيث هو صوت مسموع وحروف تتوالى في النطق أم كل ذلك لما بين معاني الألفاظ من الاتساق العجيب فقد اتضح إذا اتضاحا لا يدع للشك مجالا أن الألفاظ لا تتفاضل من حيث هي ألفاظ مجردة ولا من حيث هي كلم مفردة . وأن الألفاظ تثبت لها الفضيلة وخلافها في ملائمة معنى اللفظة لمعنى التي تليها ".

  5. #5

    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    قطر
    المشاركات
    1,392
    معدل تقييم المستوى
    7

    افتراضي رد: نظرية النظم عند عبد القاهر الجرجاني

    الصورة الثانية :


    تحليل عبد القاهر لأبيات شعرية . لكنه لم يلج إلى الأبيات قبل أن هيئ المتلقي ليترك التشاغل عنها فيقول : "اعمد إلى ما تواصفوه بالحسن، وتشاهدوا له بالفضل ثم جعلوه كذلك من أجل النظم خصوصا دون غيره مما يستحسن له الشعر أو غير الشعر … وتأمله"
    انظر إلى قول البحتري [ من المتقارب] :
    بلونا ضرائـب مـن قد نرى *** فما إن رأينـا لفتـحٍ ضريبا
    هـو المرء أبدت له الحادثـا *** ت عزما وشيكا ورأيا صليبا
    تنقـل في خُلُقـي سـؤددٍ *** سماحـا مرجى وبأسا مهيبا
    فكالسيف إن جئته صارخـًا *** و كالبحـر إن جئته مستثيبا

    فإن " رأيتها قد راقتك وكثرت عندك ووجدت لها اهتزازا في نفسك فعد فانظر في السبب واستقص في النظر فإنك تعلم ضرورة أن ليس إلا أنه 1-قدم وأخر. 2- وعرف ونكر. 3- وحذف وأضمر. 4- وأعاد وكرر. 5- و توخى على الجملة وجها من الوجوه التي يقتضيها علم النحو. فأصاب في ذلك كله ثم 6- لطف موضع صوابه وأتى مأتى يوجب الفضيلة " .

    ثم يبدأ بذكر النكت البلاغية و المواضع التي حسن فيها النظم فيقول :
    1- أفلا ترى أن أول شيء يروقك منها قوله : " هو المرء أبدت له الحادثات " ثم قوله : " تنقل في خلقي سؤدد " بتنكير السؤدد وإضافة الخلقي إليه .
    2- ثم قوله : " فكالسيف " وعطفه بالفاء مع حذفه المبتدأ لأن المعنى : لا محالة فهو كالسيف .
    3- ثم تكريره الكاف في قوله : " وكالبحر "
    4- ثم أن قرن إلى كل واحد من التشبيهين شرطا جوابه فيه .
    5- و أخرج من كل واحد من الشرطين حالا على مثال ما أخرج من الآخر وذلك قوله " صارخا " هناك " ومستثيبا " هاهنا . لا ترى حسنا تنسبه إلى النظم ليس سببه ما عددت أو ما هو في حكم ما عددت فأعرف ذلك" .

  6. #6

    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    قطر
    المشاركات
    1,392
    معدل تقييم المستوى
    7

    افتراضي رد: نظرية النظم عند عبد القاهر الجرجاني

    لقد كان لبعض الباحثين والنقاد رأي في تأثر عبد القاهر بالعلماء السابقين , منهم :

    محقق كتاب الدلائل محمود شاكر :

    رأى أن عبد القاهر في كتابه دلائل الإعجاز كان يريد أن يؤسس عِلمـًا جديدًا . و يستغرب من أنه لم يَسِرْ في بناء كتابه سيرة المؤسس لعلم جديد كما فعل سيبويه في (الكتاب) ، و ما فعل ابن جني في (الخصائص) ، أو كالذي فعله في كتابه (أسرار البلاغة) ، بل إن عمله كان مشوبـًا بحميّةٍ جارفةٍ لا تعرف الأناة ، وكأن منازعـًا ينازعه في كل فكرة أردَ أن يجلّيها ببراعته وذكائه وسرعة لمحه وبقوة حجته ومضاء رأيه .

    ثم يقول :" وقد وقفتُ في كتابه على أقوالٍ كثيرة لم ينسبها بصريح البيان إلى أصحابها ، حتى نتبيّن من يكون هؤلاء ، وفتّشتُ ونقّبت فلم أظفر بجواب حتى كانت سنة 1381هـ ، وطُبع كتاب (المغني) للقاضي عبد الجبار الأسد أبادي ، فإذا هو يتضمن فصولاً , منها فصلٌ في إعجاز القرآن ، وإذا التعريض الذي ذكره عبد القاهر لا يعني به أحداً سوى القاضي المعتزلي عبد الجبار النابغ في علم الكلام والأصول ، وإذا الأقوال التي ذكرتُ أن عبد القاهر لم ينسبها إلى أحد هي أقوال القاضي عبد الجبار في كتابه (المغني) بنصها ولفظها ".

  7. #7

    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    قطر
    المشاركات
    1,392
    معدل تقييم المستوى
    7

    افتراضي رد: نظرية النظم عند عبد القاهر الجرجاني

    د.شوقي ضيف :


    رأى أن القاضي عبد الجبار يقترب"اقترابـًا شديدًا من عبد القاهر في تفسيره للنظم بكتابه دلائل الإعجاز . و حقًّا إن عبد القاهر حاول تفسيره بتوخي معاني النحو فحسب , ولكن حين نحلل هذه المعاني نجدها تنحل إلى نفس الكلام الذي حاول به عبد الجبار تصوير الوجوه التي يقع بها التفاضل في فصاحة الكلام . و عبد الجبار يشير في صراحة إلى حركات النحو وما ترسم من فروق في العبارات , ولا شك في أن مثَله في ذلك مثل عبد القاهر و فهو لا يريد الحركات الظاهرة , إنما يريد معنى أعمق هو نفس المعنى الذي أراده عبد القاهر وهو النظام النحوي للكلام ".

    ثم يقول : إنّ "عبد القاهر يبالغ في أن ذلك سَقَطَ مِن عبد الجبار دون أن يشعر به . و هل يضع أي مبتكر لنظرية نظريته الجديدة دون شعور بها . وقد مضى منذ هذا الموضع من كتابه , يحمل عليه حملات مختلفة دون أن يقر له بالفضل و السبق , وكان يكفيه أن يدع له أصل النظرية ويحوز فضيلة تفسيرها تفسيرًا دقيقا بحيث أصبح فعلاً صاحبها الذي صورها و طبقها و استخرج على أساسها علم المعاني".

    ويستعجب د.شوقي من كلامٍ لعبد القاهر , يقول :"من أغرب الأشياء أن نجده في مواطن كثيرة من الكتاب ينعته بأنه ممن يقولون بأن مزية الفصاحة في الكلام تعود إلى اللفظ و كأنه لا يعترف أن عبد الجبار لا يسقط المعاني جملة , فقد أثبت لها حسنـًا في الفصل الأول و لكنه لم يعتد بها في الفصاحة , إذ مضى يسجل في براعة نظريته في الوجوه التي تتفاوت بها ارتفاعـًا و هبوطـًا و قال أنها لا ترجع إلى المعاني بحال , و إنما ترجع إلى انتظام الكلمات في التعبير , وهو يتطابق في ذلك مع عبد القاهر تطابقـًا بينـًا " .

    لكن د.عبد الحميد القط يخالف ما ذكره د.شوقي ضيف من أن عبد القاهر و عبد الجبار فيرى أنهما مختلفان , لأن عبد القاهر يجعل المعنى هو الأساس في العملية الفنية , و اللفظ في خدمته .أما عبد الجبار فيرى أن المعاني تتفق , والعبرة بالصياغة .

  8. #8

    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    قطر
    المشاركات
    1,392
    معدل تقييم المستوى
    7

    افتراضي رد: نظرية النظم عند عبد القاهر الجرجاني

    بقي أن نوجز لمحةً عن الجرجاني :

    هو : أبو بكر بن عبدالرحمن بن محمد الجرجاني، فارسي الأصل، جرجاني الدار،

    ولد في جرجان وعاش فيها دون ان ينتقل إلى غيرها حتى توفي سنة 471 هـ.

    لا نعرف تاريخ ولادته، لأنه نشأ فقيراً، في أسرة رقيقة الحال، ولهذا أيضا، لم يجد فضلة من مال تمكنه من أخذ العلم خارج مدينته جرجان، على الرغم من ظهور ولعه المبكر بالعلم والنحو والأدب.

    وقد عوضه الله عن ذلك بعالمين كبيرين كانا يعيشان في جرجان هما: أبو الحسين بن الحسن بن عبدالوارث الفارسي النحوي، نزيل جرجان، وأبو الحسن القاضي علي بن عبدالعزيز الجرجاني، قاضي جرجان من قبل الصاحب بن عبّاد.

    وقد أخذ العلم عن خاله الشيخ أبي علي الفارسي كما أخذ الأدب على يد القاضي الجرجاني وقرأ كتابه “الوساطة بين المتنبي وخصومه”.

    وإلى ذلك يشير ياقوت فيقول: “وكان الشيخ عبدالقاهر الجرجاني قد قرأ عليه، واغترف من بحره، وكان اذا ذكره في كتبه تبخبخ به، وشمخ بأنفه بالانتماء اليه” (معجم الأدباء: 14/16).

    وتتلمذ عبدالقاهر على آثار الشيوخ والعلماء الذين انجبتهم العربية، فنحن نراه في كتبه ينقل عن سيبويه والجاحظ وأبي علي الفارسي وابن قتيبة وقدامة بن جعفر والامدي والقاضي الجرجاني وأبي هلال العسكري وابي احمد العسكري وعبدالرحمن بن عيسى الهمداني والمرزباني والزجاج. وقد ترك عبدالقاهر الجرجاني آثاراً مهمة في الشعر والأدب والنحو وعلوم القرآن. من ذلك ديوان في الشعر وكتب عدة في النحو والصرف نذكر منها كتاب “الإيضاح في النحو” وكتاب “الجمل”، أما في الأدب وعلوم القرآن فكان له “إعجاز القرآن" و”الرسالة الشافية في الإعجاز” و”دلائل الإعجاز” و”أسرار البلاغة” وقد أورد في كتابيه الاخيرين، معظم آرائه في علوم البلاغة العربية.

    وهو يعتبر مؤسس علم البلاغة، أو أحد المؤسسين لهذا العلم، ويعد كتاباه: (دلائل الإعجاز) و(أسرار البلاغة) من أهم الكتب التي أُلفت في هذا المجال، وقد ألفها الجرجاني لبيان إعجاز القرآن الكريم وفضله على النصوص الأخرى من شعر ونثر، وقد قيل عنه: كان ورعًا قانعًا، عالـمًا، ذا نسك ودين. وتوفي (عبد القاهر الجرجاني) سنة 471هـ .

+ الرد على الموضوع

معلومات الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)

     

المواضيع المتشابهه

  1. نظرية مقنعة
    بواسطة fuad_kazem في المنتدى منتدى تطوير الذات
    مشاركات: 18
    آخر مشاركة: 10-06-2009, 01:50 AM
  2. ديكورات شيئ جديد وغريب..
    بواسطة souna في المنتدى لمسات إبداعية
    مشاركات: 9
    آخر مشاركة: 12-23-2008, 08:34 PM
  3. نظرية المؤامرة !
    بواسطة casper في المنتدى العــــــــام
    مشاركات: 5
    آخر مشاركة: 07-31-2008, 08:14 PM
  4. نظرية القرود الخمسة
    بواسطة THe BeST في المنتدى العــــــــام
    مشاركات: 1
    آخر مشاركة: 05-05-2008, 11:25 PM

مواقع النشر (المفضلة)

مواقع النشر (المفضلة)

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك